.
بقلم/ د. تيسير فتوح حجة – الأمين العام لحزب العمال الفلسطيني تحت التأسيس
لم يعد الشعب الفلسطيني بحاجة إلى حوارات جديدة تُضاف إلى سجل طويل من الاجتماعات والبيانات والوعود، ثم تنتهي كما بدأت، دون أن يرى المواطن أثرًا حقيقيًا لها على الأرض. فالمشكلة لم تعد في غياب الحوار، وإنما في غياب الإرادة السياسية القادرة على تحويل الحوار إلى قرارات والتزامات وآليات تنفيذ.
لقد سئم شعبنا من الدوران في الحلقة ذاتها، ومن تكرار المشهد الذي ينطبق عليه المثل الشعبي: «لا تيتي تيتي.. زي ما أخذتينا رجعتينا».
إن الحوارات الفلسطينية، في هذه المرحلة الحساسة، يجب أن تنتقل من إدارة الانقسام إلى إنهائه، ومن البحث عن التفاهمات المؤقتة إلى بناء شراكة وطنية حقيقية، ومن توزيع المسؤوليات والاتهامات إلى توحيد الموقف السياسي الفلسطيني في مواجهة الاحتلال والمخاطر التي تهدد قضيتنا ووجودنا الوطني.
الوحدة الوطنية ليست مجرد صورة جماعية حول طاولة الحوار، ولا بيانًا ختاميًا تتفق عليه الفصائل ثم يعود كل طرف إلى حساباته السابقة. الوحدة تعني أن يكون لدينا قرار سياسي فلسطيني موحد، ومؤسسات وطنية جامعة، وبرنامج سياسي متفق عليه، وآليات واضحة لاتخاذ القرار وتنفيذه.
ولا يمكن أن يستمر الانقسام بينما تتعرض الأرض الفلسطينية للاستيطان والضم والتهجير، ويعيش المواطن الفلسطيني ظروفًا اقتصادية واجتماعية قاسية، وتبقى مؤسساتنا السياسية موضع جدل حول شرعيتها وتجديدها.
إن إنهاء الانقسام لا يعني إلغاء التعدد السياسي أو إقصاء أي فصيل أو تيار، بل يعني إدارة هذا التعدد داخل إطار وطني ديمقراطي، يحتكم إلى الشعب وصندوق الاقتراع، ويحترم نتائج الانتخابات، ويضمن التداول السلمي للمسؤولية.
ومن هنا، فإن حزب العمال الفلسطيني تحت التأسيس يرى أن أي حوار وطني قادم يجب أن يخرج بنتائج محددة، وفي مقدمتها:
أولًا: الاتفاق على إنهاء الانقسام السياسي والمؤسساتي، وتوحيد مؤسسات السلطة الوطنية على قاعدة القانون.
ثانيًا: توحيد الموقف السياسي الفلسطيني تجاه الاحتلال، بما يحفظ الحقوق الوطنية ويمنع تعدد الخطابات والمواقف في القضايا المصيرية.
ثالثًا: الاتفاق على إجراء الانتخابات العامة وتجديد الشرعيات والمؤسسات، باعتبار الشعب صاحب الحق في اختيار ممثليه.
رابعًا: إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية على أساس الشراكة الوطنية، بحيث تضم مختلف القوى والتيارات السياسية والاجتماعية، وتصبح مرجعية وطنية جامعة.
خامسًا: وضع آلية تنفيذ ملزمة لأي اتفاق يتم التوصل إليه، بحيث لا يبقى الحوار مجرد تفاهمات سياسية قابلة للتأجيل والتفسير.
سادسًا: وضع القضايا المعيشية للمواطن في قلب الحوار الوطني؛ فالانقسام لا يدفع ثمنه السياسيون وحدهم، بل يدفع المواطن والعامل والموظف والمتقاعد وأسر الشهداء والجرحى والأسرى الثمن الأكبر.
لقد آن الأوان لأن ندرك أن استمرار الانقسام لا يمنح أي طرف انتصارًا حقيقيًا، وأن استمرار الخلافات الداخلية لا يخدم إلا الاحتلال ويضعف قدرة الشعب الفلسطيني على مواجهة مشاريعه ومخططاته.
نحن لا نريد حوارًا من أجل الحوار، ولا اتفاقًا من أجل الصورة، ولا بيانات جديدة تضاف إلى أرشيف المصالحة الوطنية.
نريد حوارًا ينتج قرارًا، وقرارًا ينتج وحدة، ووحدة تنتج مؤسسات شرعية وقوية، ومؤسسات تحمي شعبنا وحقوقه الوطنية.
فإذا كانت الحوارات ستعيدنا إلى النقطة ذاتها، فسيبقى لسان حال المواطن يقول:
«لا تيتي تيتي.. زي ما أخذتينا رجعتينا».
أما إذا كانت هناك إرادة حقيقية، فليكن الحوار هذه المرة مختلفًا: نختلف داخل الوطن، ونتفق على الوطن، ونتنافس ديمقراطيًا، لكن لا ننقسم على فلسطين.
فلسطين أكبر من الجميع، والوحدة الوطنية ليست خيارًا تكتيكيًا، بل ضرورة وطنية لا تحتمل مزيدًا من التأجيل.
الحوارات الفلسطينية.. يجب أن تنتج وحدة الموقف السياسي وتنهي الانقسام "تيتي تيتي" زي ما أخذتينا رجعتينا
2026-09-29
150 مشاهدة
مقالات وآراء