صوت القضية
صحفيون من أجل فلسطين
كتاب رسائل الفر لحسام أبو النصر

كتاب رسائل الفر لحسام أبو النصر

بقلم/ د. محمد قاروط أبو رحمة

بما أننا في حرم جامعة القدس وفي حضرت إخوتنا وأبنائنا وأحفادنا من كادر الجامعة والطلبة، فإنني قررت أن أقرأ رسائل الفر لحسام أبو النصر من زاوية العلاقة بين التراث المادي والأدب؛ لأن الكاتب يدخل إلى الأدب من خلفية المؤرخ والباحث في الآثار والتراث الفلسطيني.

وأبدأ من فكرة بسيطة: التراث المادي ليس زينة؛ إنه جزء من ذاكرتنا.

فالبيت، والمسجد، والكنيسة، والمقبرة، والجامعة والموقع الأثري ليست مجرد مبانٍ وأماكن؛ إنها علامات تساعد الإنسان على معرفة أين كان، ومن سبقه، وماذا حدث، وأين سيذهب.

ومن هنا نعرج على صندوق استكشاف فلسطين الذي أنشأته الحكومة البريطانية عام 1865، والذي قام بمسح آلاف أسماء المواقع والقرى والخرائب الفلسطينية (بحدود 10 آلاف اسم)، ثم أسقط الأسماء العبرية من (التناخ والأناجيل) فوق التجمعات السكانية الفلسطينية القائمة ووثقها على الخرائط، تمهيدًا لإعلان بلفور 1917. وهذا الصندوق لا يزال قائمًا.

هذه التجربة تضع أمامنا مسألة مهمة:

الاسم ليس مجرد كلمة، والخريطة ليست مجرد ورقة؛ إنهما جزء من الذاكرة.

ومن يغير أسماء الأمكنة أو الأشياء أو يعيد رسم علاماتها، يستطيع أن يؤثر في الطريقة التي يُقرأ بها المكان وتاريخه، ويستطيع تغيير طريقة تفكيرنا أحيانًا.

وهذا يقودني مباشرة إلى حسام أبو النصر.

ففي اليوم 85 من حرب الإبادة والتطهير العرقي على غزة، وفي 30/12/2023، أصدرت أكاديمية فتح الفكرية ملفًا خاصًا في نشرتها التي تواكب العدوان على غزة، بعنوان: استهداف الاحتلال للآثار والمقدسات والتاريخ الفلسطيني، للمؤرخ حسام أبو النصر. وكانت الدراسة واسعة، جاءت في ثلاثة أبواب، وتجاوزت 14 ألف كلمة، وركزت على استهداف التراث المادي الفلسطيني. وهي توثق أيضًا للجهود التي بذلها شعبنا في مواجهة ذلك.

والفكرة التي أراها جوهرية في هذا السياق:

إذا فقدنا التراث المادي، نفقد جزءًا من ذاكرتنا.

فإذا خرج الإنسان من بيته ولم يعد البيت موجودًا، لا يفقد الإنسان المأوى فقط؛ إنه يفقد علامة من علامات المكان. وإذا اختفت المعالم، تضطرب خريطة الذاكرة.

لكن ما لفت اهتمامي في رسائل الفر أن أبو النصر ينتقل خطوة أخرى: من توثيق المكان إلى توثيق الإنسان الذي يعيش انهيار المكان. وهنا يبدأ الأدب.

فالتاريخ يستطيع أن يسجل الأرقام والتواريخ والأحداث، لكن الأدب يستطيع أن يحفظ ما لا تستطيع الأرقام وحدها حمله: خوف طفل، رائحة خبز، ليلة في خيمة، بيتًا كان موجودًا ثم دمر بشكل متعمد ثم اختفى لتمحى جزءًا من ذاكرتنا. استحضار التاريخ ورؤية للمستقبل.

لذلك أرى أن الأدب في رسائل الفر ليس ترفًا جماليًا، بل شكل آخر من أشكال الشهادة الموثقة.

وأرى أن عنوان الكتاب نفسه مهم: الفر.

فالفرار أو النزوح في تجربة الحرب ليس مجرد انتقال من مكان إلى آخر؛ فالإنسان حين يفر بجسده يحمل معه ذاكرته، وحكايته، وأسماء الأماكن، وصورة بيته.

وكأن الرسالة تصبح وسيلة لحمل المكان بعد فقدانه.

وهنا أصل إلى ما أراه أحد مفاتيح لقراءة الكتاب:
الدال والمدلول وعين الشيء.

الدال هو الكلمة أو العلامة، والمدلول هو المعنى الذي يتشكل في وعينا، وعين الشيء هي الحقيقة أو الواقع الذي تشير إليه الكلمة.

في الحرب تهتز هذه العلاقة.

فالبيت الذي نعرفه مكانًا للسكن والأمان؛ قد يصبح ركامًا أو ذكرى. والنزوح لا يعود مجرد انتقال مؤقت، بل يصبح تجربة اقتلاع وخوف وعدم استقرار.

ثم تأتي عين الشيء: البيت المدمر، الخيمة، الشارع، المقبرة، الأثر الذي لم يعد موجودًا.

وهنا يصبح الواقع أحيانًا أكبر من قدرة اللغة على وصفه.

وهذا، في رأيي، ما يفعله أبو النصر: يحاول أن يعيد وصل الكلمة بالمعنى وبالواقع.

فالكتابة تصبح وسيلة لتثبيت اللحظة قبل أن تزول، والرسالة تصبح شهادة: كنت هناك، رأيت، عشت، وأكتب حتى لا يختفي ما حدث.

ومن هنا أرى أن رسائل الفر تمثل انتقالًا من الحجر إلى الكلمة؛ من توثيق التراث المادي إلى توثيق التجربة الإنسانية.

فالتراث يحفظ ذاكرة المكان، والتاريخ يحفظ ذاكرة الحدث، أما الأدب فيحاول أن يحفظ ذاكرة الإنسان وهو يعيش الحدث.

وإلى القراء الكرام أقول:

اقرؤوا جيدًا كلمات متقاطعة ص 127 فيها يوثق أبو النصر غزة الآن، وأنتم تقرؤونها، لا يفوتكم تذكر أن غزة قاتلت الإسكندر الأكبر عام 332 ق. م وجرحته، وكان هذا سببًا في هزيمته في صور ... صور التي هزمت ألكسندر، ولا تنسوا وأنتم تقرؤون الكلمات المتقاطعة لحسام أن عكا هزمت نابليون، وأن حطين هزمت كل جيوش الغرب. وأنتم تقرؤون كلمات متقاطعة عودوا إلى ص20 تحت عنوان: غزة وجنود الشطرنج، حيث كتب حسام نفسه: غزة متمردة على كل شيء. متمردة عبر التاريخ، وعلى الجغرافيا، وعلى الاستعمار أيضًا.

ومن هنا أختم بثلاث عبارات:
الحجر شاهد، والوثيقة ذاكرة، والأدب صوت الإنسان.

وحين تجتمع هذه الثلاثة، تصبح الكتابة شهادة للمستقبل ومقاومة للنسيان. شكرًا لكم.

الكتاب: رسائل الفر
الكاتب: حسام أبو النصر
أدب قصص ونصوص
إصدار: دار الرعاة للنشر والتوزيع، رام الله فلسطين

📂 الأقسام

الرئيسية اقتصاد تقارير وتحليلات تكنولوجيا ثقافة حول خبر عاجل رياضة سياسة صحة صور وفيديو عربي ودولي فنون مقالات وآراء منوعات