سميرة عزام.. العبور إلى ذاكرة الوطن
نجحت الكاتبة الفلسطينية سميرة عزام، خلال حياتها القصيرة (1927-1967) في معايشة أبعاد النكبة الفلسطينية معايشة يومية، من خلال اتصـالاتها المستمرة باللاجئين الفلسطينيين وعدم اكتفائها بتجربتها في التيه والتشرد، على الرغم من أنها كانت تجربة مريرة وقاسية.
ومع خروج الكاتبة من بلدها، مع مئات الآلاف من الفلسطينيين الذين هُجّروا على مرأى ومسمع من العالم أجمع، حملت مثلما حمل غيرها غربتها، وطافت بها من مكان إلى مكان، فاستحالت هذه الغربة حنيناً لذكريات، وإصـراراً وأملاً على العودة إلى وطن الشمس والحرية. ولا يخفى على قارئ قصص سميرة عزام أن هذه الكاتبة تتعاطف مع شخصياتها إلى أبعد الحدود، وذلك عائد بالطبع إلى التجربة المشتركة في الغربة والحنين والأمل، والبحث عن خلاص، رأته سميرة في أن تختطّ طريقاً لها في المعركة الوطنيـة والقومية، من خلال كتابتها الملتزمة، بوصفها كاتبة تدرك دور الأدب، ومن خلال ممارستها تجربة العمل الوطني المنظم وتأكيدها من خلال هذين الدورين أن الطريق إلى فلسطين شاق وطويل ويحتاج إلى كثير من التضحيات. إن ما كتبته سميرة عزام، فيما يتعلق بالموضوع الوطني، كان مقتصراً في البداية على التفجع والندب لمصير الفلسطينيين، مع وجود إشارات وتلميحات واستثارات للمقاومة، ومع انطلاقة الأدب الثوري انطلقت سميرة عزام بقصصها نحو المقاومة الأصلب والرؤية الأوضح، فإذا كان ثمّة ابتعاد عن الأدب الثوري بعد النكبة، فإن ذلك لا يعود إلى تقصير سميرة بقدر ما يعود إلى طبيعة المرحلة عامة. فقد انتقل الفلسطينيون تدريجياً من تصوير الفراق والحزن إلى الغضب والمقاومة ولأن سميرة عاشت مع هؤلاء وتنفست هواءهم، وقصر وعيها– آنذاك، كما قصر وعيهم، فقد جاءت قصصها، وفقاً لهذه الأجواء، مقسمة إلى المراحل المتداخلة التالية، التي هي مراحل زمنية وموضوعية (متعلقة بالموضوع) في آن معاً:
1 – الماضي.
2 – رعشة الأسى.
3 – سورة الغضب.
4 – المقاومة.
وفـي كل هذه المراحل ثمة أمل يحدو سميرة، وأبطال قصصها، على العودة إلى البيادر والبيارات والبيوت التي ما يزال بعض الفلسطينيين يحتفظون بمفاتيحها.
أولاً– الماضي:
كـان جرح الكبرياء لا يزال حديثاً حين راح الفلسطينيون يحنون في الداخل والخارج إلى الماضي. فبينما كان فلسطينيو الخارج يحنون إلى أرضهم التي هجروا منها، فإن فلسطينيـي الداخل راحو يحنون للقيا إخوتهم الذين في الخارج، ويحنون أيضاً إلى الفرح بعد أن فقد كل فرح معناه، في غياب الكرامة الوطنية.
استطاعت سميرة أن تصور لنا في قصصها حنين أولئك جميعاً إلى ما مضى مكاناً وذكريات وعادات ورموزاً وطنية.
فالوطـن –المكان– الذي كان مرتع صبا سميرة نفسها كان يتجسّد في أدبها، شأنها في ذلك شأن أدباء المقاومة الفلسطينية، فردوساً ضائعاً، أو مضّيعاً بفعل تجار السياسة. إنها تصف الربيع والبيارة والبيت والديوان وشريط الهدنة الذي قسّم جسد فلسطين.
في قصــة (عـام آخر) مثلاً تـحدث الحـاجة المـكرارة أم عبـود، وهي في طريقهـا إلى ملاقـاة ابنتها عند بوابة مندلبوم، السائق حديثاً فيه شجون الماضي وذكرياته حيث تحضر يافا /المكان/ بجزئياتها، تقول أم عبود:
“كان بيتنا في (درج القلعة) وكان لنا بيارة برتقال ثمرها لامع كالذهب، موصوف بالحلاوة، كنا من الاوادم، بيتنا (مضافة)، وزوجي مختاراً…..”.
إن البيت هنا، في ذاكرة أم عبود، وفي الذاكرة الجمعية الفلسطينية ليس بيتاً وحيداً، فالاشتياق له هو شعور جمعي مشترك لأنه يرمز إلى كل البيوت، كما ترمز البيارات إلى كل البيارات، فيما ترمز يافا التي تحتوي درج القلعة إلى كل المدن الفلسطينية الأسيرة.
ثانياً– رعشة الأسى:
وشيـئاً فشيئاً التفت الأدباء الفلسطينيون الذين صوّروا ماضيهم الجميل بكثير من الرومانسية، إلى واقعهم وكانت سميرة عزام منهم فهي لم ترَ فلسطين في سنوات الهجرة الأولى إلا حنيناً للحرية ولأشجار البرتقال، وللأرض الخيرة وللسماء والشمس المطهرة فبـلدها يكمن في أنشودة طفل سعيد، واستراحة قصيرة، وعودة إلى البيت عند الغـروب، وحديث واعد عن غد مشرق، يتسامر به زوج بعد عناء طويل. أجل، تلك هي حياة الفلسطيني قبل الهجرة، وحين ترك أرضه فقد هذا كله، فقد هذه النعمة التي لا تقدّر والتي ترتبط على بساطتها بأعمق أسلاك عناصر الإنسانية في الإنسان، بهـذه البساطة، وهذا العمق، تصور سميرة عزام الجريمة التي ارتكبها العالم بحقـها. وقد تجلّت عناصر هذه الجريمة في الحرمان من اللقيا، ومن الفرح، ومن الهوية أيضاً. إنها جريمة ارتكبتها (القوى المتحضرة) بحق شعب أعزل، ففصلت جسده عن روحه.. وثمة قصتان لسميرة عزام، تبينان رعشة الأسى، والغصة التي شعر بها الفلسطيني في سني غربته الأولى، قبل أن يتحول أساه إلى غضب ومقاومة، تلكما قصتا “زغاريد” و”عام آخر“، ونكتفي هنا بقصة “زغاريد”، حيث تروي سميرة عزام حكاية سلمى الصواف التي تتلقى، ضمن برنامج رسائل اللاجئين إلى ذويهم الرسالة الإذاعية التالية:
“مـن جميل عبد الله في بيروت إلى ولده كريم عبد الله ووالدته سلمى وأخته وداد في يافا، أنا بخير كذلك خطيبتي ناديا. سنتزوج في الساعة الثالثة من بعد ظهر الثامن من أيـار في كنيسة “السيدة” ثم نسافر لأعمل في الكويت، مشتاقون طمنونا بواسطة الإذاعة”.
وعلى الرغم من أن بيروت ليست في السند أو الهند، فإن سلمى الصواف لا تستطيع أن تذوق فرحة العمر، ولا تقدر مع زوجها أن يفعلا شيئاً لعرس ابنهما سوى “من كريم عبد الله وزوجته سلمى وابنته وداد وزوجها.. نبارك زواجك، وندعو لك بالخير”. غير أن الأم المحرومة من الفرح تحاول أن تنقل العرس، بخيالها، إلى بيتها في يافا، إلى كنيسة الخضر، بكل تفاصيله، ولكنها حين تدرك عبث كل هذا تملأ البيت بصوت زغاريدها المخنوقة.
إن النكبة هنا تجسدت في أقسى تجلياتها الإنسانية، فالأم والأب ممنوعان من الفرح بفعل الهزيمـة، ممنوعان حتى من تلقي خبر زواج جميل إلا عن طريق الإذاعة، حيث تغدو العلبـة الخشبية مستودعاً لأشواق اللاجئين. إنها ليست مأساة الأم وحدها، بل هي مأساة كل الأمهات، مأساة يافا التي يتعاظم شوقها “لأن ترى عرساً لأحد أبنائها، بعد أن صارت أعْراس الناس “كجنازات الصعاليك”.
إن الألم هنا ألم وطني وإنساني في آن، فحيفا تشتاق عرساً حقيقياً، يقيمه جميع الأهل، ولا يمكن بالطبع أن يقوم هذا العرس إلا باجتماعهم في يافا بالذات بعد أن شطرتهم الغربة.. لأن يافا ذاتها هي جزء من الفرح، في زمن صارت فيه جباه الناس موسومة بالأسى. إنها قصة إجهاض العواطف النبيلة من قبل المؤسسات “الحضارية” التي تحكم العالم، وتخطّط للشعوب الفقيرة مصائرها. هي قصة عواطف قبل كل شيء، تملأ المحاجر بالدموع، ومع ذلك فإن الـدكتور هاشم ياغي يرى أن هذه القصة “تكاد تخلو من الانفعال العاطفي الحـار”، على الرغم من أن العواطف هي نواة القصة المركزية، وهي التي تدفع الأم إلى حالة التوحد مع الأمكنة، مما يجعلها تضيء الشموع في بيتها وتزغرد وسط دموعها لفرح حقيقي تنتظر أن يتم في يومٍ من الأيام.
ثالثاً– سورة الغضب:
وقد انتقلت سميرة عزام، ومعها الأدب الفلسطيني، انتقالاً فذاً من تذكر الماضي، وتصوير مآسي النكبة إلى الغضب الذي سيكون بداية المقاومة. إن هذا الغضب ليس عقيماً ذلك أنه كان مقدمة لما هو أكثر جدوى كما سنرى فيما بعد.
لقد غضبت سميرة عزام ودمرت الحرب براءة روحها، فغدا الحب الذي تحمله في قلبها حقداً ينصب على مَن جرَّعها كأس الهزيمة المر. لذلك كانت شخصيات قصصها الفلسطينية، في تلك الفترة، تمتح من البئر ذاته، وثمة ثلاث قصص، تنحو فيها الكاتبة هذا المنـحى، وهذه القصص هي “في الطريق إلى برك سليمان” و”لأنه يحبهم” و”فلسطيني”، وسنكتفي بالأولى منها، ففي قصة في الطريق إلى برك سليمان يحمل حسن طفله الصغير عمر، ويخرج به من جحيم قرية (بتّير) التي يدكها اليهود بأسلحتهم الثقيلة إلى برك سليمان، مصطحباً معه زوجته، وهزيمته التي يحاول تسويغها بأن الفلسطينيين لا يملكون أسلحة لهذه المواجهة:
“وأحسّ (حسن) بأن رشاشه الفارغ، خشبته العاجزة هي المسؤولة عن رجولته المهينة وأنه بدون رصاصها سيموت في بيته ميتة فأر”.
وفي طريق الهروب، طريق الرجولة المهينة تستقر رصاصة في جسد عمر الغض، وحين يضعه حسن في التراب يحسّ أن الحب الذي كان يسبغه على زوجته وابنه لا يكفي للحياة، وأن عليه أن يحقد:
“ولما غطاه بالتراب، حفنة إثر حفنة، يحملها بيديه، وقف وهزَّ الشجرة ففرشت له القبر بنجيماتـها البيضاء. ولم يقرأ صلاة ما، فقد أخرسه الحقد“، إنه الحقد الطارئ الذي تسلل إلى قلب الفلسطيني تحت ضغط الهزيمة، إذ لم يبق أمامه خيار، وقد فقد أسلحته كلها: بندقيته التي صارت خشبة، بيته وأرضه وابنه، وروحه أيضاً.
رابعاً– المقاومة:
وبعد أن أدرك الفلسطينيون أن الدموع التي يذرفونها، واللعنات التي يصبونها على أعدائهم لن تشفي الجراح التي خلفتها النكبة، انتقلوا إلى المقاومة، فليس ثمة إلا الحرب، من أجل سلام كريم لا يقرّ به الأعداء.
ولعلّ قصة (خبز الفداء) هي أنصع مثال على تحول الصرخة الفرديـة التي كانت صرخة في وادٍ أصم، إلى فعل جماعي يقوم به الفلسطينيون تجاه وطنهم، ينأى بكينونتهم عن باب الذلّ والاستجداء. إنها قصة رامز الذي تطوع حارساً على المستشفى التي ملأها الصهاينة بجرحى حقدهم الأبرياء، ومن ثم مدرباً للأجيال التي ستهب للدفاع عن عروبة الوطن إنها قصة سعاد أيضاً، تلك التي تطوعت ممرضة بالمشفى ذاته، ثم عملت على إيصال الزاد للمقاتلين في أشد الظروف خطورةً. وفي المشفى يتعرف البطلان إلى بعضهما، يحبّان بعضهما فيما بعد، يجمعهما حب صغير، وحب كبير.. وذات مرة حين كانت سعاد في طريقها إلى المقاتلين، أصابتها رصاصـة غادرة، ولكنها استطاعت أن تصل إليهم، غير أن الطعام الذي تحمله يختلط بدمها وتموت، ويكون على رامز أن يقرر: أن يمنع رفاقه أن يأكلوا هذا الأدام التعس، أو أن يدوس على قلبه ويتركهم يأكلون، حتى الرفاق أنفسهم لا يستطيعون هضم هذه الوجبة الأليمة.
وتنتهـي القصة حين يسقط رامز مغشياً عليه بعد أن يقول لرفاقه “كلوا.. إن سعاد لا ترضى لنا أن نموت جوعاً”.
إن بطل القصة رامز شخصية واضحة متكاملة فهو يعرف لماذا يحارب، لقد تعرض ربيع وطنه لطعنةٍ غادرة لا ترحم: “وفي ربيعه ذاك عرف شيئين: الحب والحرب.. وكان الأول يعطي معنىً للثاني. فالحرب ليست عدواً يقتل لشهوةٍ، إنما هي حياة للأرض التي يحب.. والفتاة التي يحب”.
وحين اغتيلت الأرض والفتاة معاً كان على البطل أن يقدم تضحية للأمل القادم أن يقدم الخبز المعمّد بالدم، في صورة مسيحية واضحة، لرفاقه، حتى يأخذوا من سعاد شيئاً يجعلهم أشداء على أعدائهم؛ لذلك كانت تضحية رامز مزدوجة، إذ إنها تضحية شخصية ووطنية في آن واحد، إن سعاد تضحي بنفسها، بينما يضحي رامز بدمها وبقلبـه، ليعيدا معاً صورة المسيح التي يكللها رامز بقوله (كلوا إن سعاد لا ترضى لنا أن نموت جوعاً).
إن البطاقة السحرية التي وضعتها سعاد في جيب قميص صوفي نسجته ليكون من نصيب بطـل، ثم كان بعد ذلك من نصيب رامز، أهابت به “أن يكون بطلاً حقاً قبل أن يعرف سعاد، ثم كان بعد ذلك الحب بطلاً مزدوجاً”.
* في ذاكرة الوطن: إذاً، لقد عاشت سميرة عزام مراحل النكبة الفلسطينية، وقد تجلّى ذلك في قصصها التي رافقت الفلسطيني في حنينه وبؤسه وغضبه وثورته وأمله، وعلى الرغم مما سـبق، وعـلى الرغـم من الشهـادات الكثـيرة التي تشهـد على إسهـام الكـاتبة في الـكتـابة للقضيـة الوطنيـة التي هي بنـت نتائجهـا القـاسية. ولعلّ ما عرضناه في هذا البحث يؤكد أن الكاتبة قد كانت مخلصة لقضيتها الوطنية، واستحقت الدخول إلى ذاكرة الوطن تلك الذاكرة التي لا تعرف النسيان.