شعار صوت القضية
صوت القضية
صحفيون من أجل فلسطين
علي سالم البيض المسؤول اليمني الأول الذي التقيته

علي سالم البيض المسؤول اليمني الأول الذي التقيته

تأخرت عن الموعد ساعتين، لكنه لم يغضب، وانعقد اللقاء...

بقلم/ فيصل جلول

كان السيد علي سالم البيض المسؤول اليمني الأول الذي التقيته في بداية اهتمامي باليمن وأهله. تم اللقاء في الجزائر العاصمة. كان ضيفًا على المجلس الوطني الفلسطيني الذي التأم برعاية جزائرية، وتمت على هامشه مصالحة فلسطينية ـ فلسطينية ستمهّد من بعد لإعلان «الدولة الفلسطينية المستقلة».

كنت أعمل حينذاك في مجلة «اليوم السابع» الفلسطينية الصادرة في باريس والمحتجبة اليوم (1983 ـ 1991)، وكان البيض يشغل منصب الأمين العام للحزب الاشتراكي اليمني، أي المسؤول الأول في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية الاشتراكية، بحسب قواعد الحكم النافذة في الدول الماركسية.

اتفقنا على اللقاء ليلًا في منزل قاسم عسكر، السفير اليمني في الجزائر العاصمة، حيث كان ينزل البيض. تأخرت عن موعد اللقاء ساعتين، وظننت أن وصولي متأخرًا سيطيح بالموعد وسيتسبب لي بامتعاض الرجل ومساعديه، لكن «الرفيق قاسم عسكر» تفهّم سبب تأخري الناجم عن وقوعي ضحية لسائق تاكسي يعمل بالعداد، تجوّل بي وسط زحمة السير في كل أنحاء العاصمة، ولم أتمكن من وضع حد لهذه المغامرة التعسة إلا عندما استنجدت بشرطي مرور هدّد السائق وأمره بأن يوصلني بأسرع وقت إلى بيت السفير اليمني، بعد أن سجّل رقم سيارته.

روى قاسم عسكر ما جرى لي للبيض، الذي نزل من الطابق الثاني من المنزل (دوبلكس) مبتسمًا، وألقى عليّ تحية ودّية، مشيرًا إلى أن أمرًا من هذا النوع لا يمكن أن يقع في عدن. بدا لي في هذا اللقاء أن البيض لا يعلّق أهمية كبيرة على الشروط البروتوكولية، شأنه شأن المناضلين الماركسيين خلال الحرب الباردة. دامت الجلسة إلى ما بعد منتصف الليل، وختمها بدعوتي لزيارة عدن، ثم طلب من السفير قاسم عسكر أن يوصلني بسيارته إلى الفندق كي لا أقع فريسة مرة أخرى لسائق آخر، ثم قبّلني مودّعًا وكأنه يعرفني منذ زمن طويل.

عبّر البيض في ذلك اللقاء عن غضبه الشديد من احتضان الرئيس علي عبد الله صالح للجناح الذي خسر حرب يناير ـ كانون الثاني عام 1986 في عدن، بزعامة الرئيس الأسبق علي ناصر محمد. أذكر أنه استخدم للقياس مثالًا يمنيًا ريفيًا، بما معناه أن «تجميع المياه في مكان واحد سيدفعها إلى شق طريقها والسير في الاتجاه المتاح لها»، وبالتالي فإن تجميع أنصار علي ناصر محمد في صنعاء، وافتتاح معسكرات خاصة بهم للتدريب، وإذاعة تتحدث عنهم، وصحيفة تنطق باسمهم، لا يمكن إلا أن يكون عملًا عدائيًا ضد جنوب اليمن. وهدد بأنه قادر هو أيضًا على تجميع خصوم الرئيس علي عبد الله صالح في عدن، لكنه يمتنع لأنه يريد أفضل العلاقات مع الجيران (الجنوب)، وبخاصة شمال اليمن.

وفي السياق، تحدث البيض عن اكتشاف النفط للمرة الأولى، والاتفاق مع شركة «إلف أكيتان» الفرنسية للعمل في الجنوب، إثر زيارة قام بها إلى باريس وزير النفط الجنوبي الراحل أبو بكر صالح بن حسينون. وربط البيض النفط بالاشتراكية قائلًا:
«لن يكون النفط إلا لخدمة الاشتراكية في بلدنا»،
لكنه سيغيّر موقفه من بعد، ويعتبر أن «النفط يمكن أن يتسبب بتشتيت اليمنيين واحترابهم، وبالتالي الحؤول دون توحدهم، لذا قررت طيّ الأمر وكشفه بعد الوحدة اليمنية».

مُنعت «اليوم السابع» في صنعاء بعد نشر المقابلة مع البيض، ووصل إلينا قرار المنع مصحوبًا بتهديد بألا تدخل المجلة بعد اليوم إلى اليمن الشمالي «إذا ما تكرر نشر مثل هذه المقابلات».

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فقد اشتكى المعنيون إلى الرئيس ياسر عرفات، الذي اتصل بالمجلة وطلب منا الحرص على النشر المتوازن بين شمال اليمن وجنوبه. علمًا أن عرفات كان أقرب إلى الرئيس علي عبد الله صالح في حينه، واقترح أن تلعب «القوات الفلسطينية» المتواجدة في اليمن دورًا في فصل المتحاربين في أحداث يناير 1986، غير أن البيض رفض هذا الاقتراح بشدة، وقال إنه لن يقبل أن تكون عدن مثل بيروت خلال الحرب الأهلية، مقسمة بين شرق وغرب وخطوط قتال دائمة.

اللقاء الثاني مع البيض تم بعد سنوات قليلة، خلال الاحتفال بعيد الوحدة اليمنية في دار الرئاسة في صنعاء، حيث شاءت الصدف أن أكون مجاورًا لرفاق البيض اللبنانيين الكبار، كالسيد محسن إبراهيم، الأمين العام الراحل لمنظمة العمل الشيوعي، والسيد نديم عبد الصمد، عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي اللبناني. صافحني البيض بحرارة، وأبدى إعجابه بالخط الوحدوي الذي انتهجته «اليوم السابع»، وأشار إلى أحد رفاقه بأن يرتب موعدًا للقاء به، فيكون الأول بعد الوحدة.

لم ألتقِ البيض من بعد، وذلك لأسباب عديدة، أهمها أن الفترة الوحدوية التي جمعته مع الرئيس الراحل علي عبد الله صالح لم تتعدَّ أربع سنوات، كانت خلالها صنعاء تعيش على وقع عمليات اغتيال طالت أنصار الحزب الاشتراكي اليمني، ووصل أحدها إلى محاولة اغتيال رئيس البرلمان الوحدوي الأستاذ ياسين سعيد نعمان، فضلًا عن اعتكاف البيض المتكرر احتجاجًا على ما كان يسميه «تفرد صالح بالحكم» وارتجاله. ناهيك عن اتضاح وجهة رفاقه، وبخاصة حيدر أبو بكر العطاس، بالعودة إلى نظام الدولتين، أي إلى ما قبل الوحدة، وأخيرًا إقامته في سلطنة عُمان، حيث تعذّر اللقاء به.

هذا النص هو جزء من كتابي «غيض من فيض يمنيات علي سالم البيض»، الذي صدر في العام 2022 في بيروت عن دار زمكان، وصدرت طبعته الثانية عام 2025.

رحم الله علي سالم البيض، وحفظ اليمن وأهلها الكرام.