صوت القضية
صحفيون من أجل فلسطين
ما الذي غفلنا عنه وما الذي تعلمناه قبل البدء بهذه السلسلة؟ مقال تأسيسي قبل سلسلة: حتى لا تتحول المعرفة إلى عبء

ما الذي غفلنا عنه وما الذي تعلمناه قبل البدء بهذه السلسلة؟ مقال تأسيسي قبل سلسلة: حتى لا تتحول المعرفة إلى عبء

بقلم/ محمد قاروط أبو رحمة

قبل البدء في سلسلة: متى تتحول المعرفة إلى عبء؟
من المهم التوقف لحظة خارج النص، لا لشرح الفكرة، بل لفهم السياق الذي وُلدت منه، وكيف تشكل السؤال المركزي لهذه السلسلة عبر التجربة لا عبر التأمل النظري فقط.
هذا المقال ليس جزءًا من السلسلة، بل هو عتبة دخول إليها، ومحاولة لتوضيح ما تم تعلمه قبل البدء، وما تم غفلته في لحظات التفكير الأولى، وما الذي أعاد تشكيل الفكرة أثناء نضجها.

أولًا: كيف وُلد السؤال؟
لم يكن السؤال: متى تتحول المعرفة إلى عبء؟ سؤالًا نظريًا في الأصل، بل كان نتيجة تفاعل طويل مع الواقع، ومع الناس، ومع أنماط مختلفة من توظيف المعرفة في الحياة العامة والمجتمعية.
لقد برز هذا السؤال من ملاحظة متكررة في الميدان:
أن بعض أصحاب المعرفة الواسعة، أو الخبرة الطويلة، لا تتحول معرفتهم إلى قدرة على الفعل، بل أحيانًا تتحول إلى وسيلة لتبرير العجز عن الفعل.
ومن هنا بدأ يتشكل سؤال أعمق: كيف يمكن للمعرفة أن تتحول من قوة دافعة إلى عبء يبرر التوقف بدل الحركة؟

ثانيًا: ملاحظات من التجربة المباشرة
من خلال العمل في ميادين متعددة تمتد لأكثر من خمسة عقود، في العمل العسكري، والتدريب، والحكم المحلي، والتثقيف، والتعليم، برزت أنماط متكررة في العلاقة بين الإنسان والمعرفة، من أهمها:
وجود فائض معرفي لا يقابله فعل
استخدام المعرفة أحيانًا كوسيلة لتبرير عدم المبادرة
تحول النقاشات المعرفية إلى أدوات لتثبيت العجز بدل تجاوزه
الميل إلى تتبع سلبيات الواقع بدل إنتاج بدائل عملية له
وتوظيف المعرفة أحيانًا في النقد السلبي بدل البناء
وفي سياقات كثيرة، كان يدهشني كيف يمكن لمتحدث يمتلك معرفة واسعة أن يبرر عدم اتخاذ خطوة بسيطة في الواقع، بحجج معرفية شديدة التماسك، لكنها منفصلة عن الفعل.
وهنا بدأ يتضح أن المشكلة ليست في نقص المعرفة، بل في طريقة اشتغالها داخل الإنسان وعلاقته بها.

ثالثًا: ملاحظة حول الوعي والنقد
في بعض النقاشات، كان البعض يلاحظ أنني لا أتابع التفاصيل السلبية أو تتبع أخطاء الأشخاص والمؤسسات بالقدر الذي يتوقعونه، وكان يُفهم ذلك أحيانًا على أنه انفصال عن الواقع.
لكن من زاوية أخرى، كنت أرى أن الانشغال المفرط بتتبع السلبية قد لا ينتج بالضرورة فعلًا إيجابيًا، بل قد يعمّق حالة معرفية تظل تدور داخل النقد دون إنتاج بدائل.
وفي المقابل، كنت أرى أن:
أصحاب المبادرات الفعلية هم من يتركون أثرهم في سجل الإنجاز، لا في سجل النقد فقط.
فالنقد مهم، لكنه حين ينفصل عن الفعل يتحول إلى معرفة لا تنتج حركة.

رابعًا: القصد، الأخلاق، والمعنى في المعرفة
تأسيس أي معرفة لا ينفصل عن القصد الأخلاقي والمعنى.
فالمعرفة دون قصد واعٍ، ودون مسؤولية، يمكن أن تنزلق بسهولة إلى:
عنجهية معرفية
أو تبرير ذاتي
أو انفصال عن الواقع
ولهذا فإن هذه السلسلة تنطلق من فرضية أساسية:
أن المعرفة لا تكتسب قيمتها فقط من دقتها، بل من القصد الذي يحكم استخدامها، ومن علاقتها بالفعل والمسؤولية.

خامسًا: ما الذي تعلمناه قبل هذه السلسلة؟
من خلال التجربة والتأمل والاحتكاك المباشر بالواقع، يمكن تلخيص ما تم تعلمه في ثلاث نقاط مركزية:
أن المعرفة ليست قيمة ثابتة، بل تتحول بحسب طريقة اشتغالها داخل الإنسان.
أن تراكم المعرفة لا يعني بالضرورة زيادة الفعل، بل قد يؤدي أحيانًا إلى تعطيله.
أن المشكلة ليست في المعرفة نفسها، بل في انقطاعها عن الفعل أو إعادة إنتاجها دون اختبار في الواقع.

سادسًا: ما غفلنا عنه في البداية؟
في لحظة التأسيس الأولى، كان التركيز على السؤال: متى تتحول المعرفة إلى عبء؟
لكن ما لم يكن واضحًا بشكل كافٍ في البداية هو أن:
العبء لا يأتي من المعرفة نفسها، بل من انقطاع دورتها الداخلية بين التخزين والفهم، والفعل، والخبرة، والحكمة.
هذا الفهم لم يكن معطى جاهزًا، بل تكوّن تدريجيًا أثناء الكتابة والتفكير والتجربة.

سابعًا: ملاحظة ختامية نقدية
هذه السلسلة لا تدّعي امتلاك حقيقة نهائية، ولا تقديم نموذج مغلق.
بل هي محاولة لفهم حركة المعرفة داخل الإنسان أثناء اشتغالها، لا خارجها.
وهي أيضًا تجربة واعية في تحويل التفكير إلى كتابة، والكتابة إلى أداة لفهم الفعل، لا بديلًا عنه.

ثامنًا: ملاحظة شخصية داخل السياق المعرفي
لو كانت المعرفة عبئًا بحد ذاتها، لما تحولت إلى كتابة.
فالكتابة هنا ليست تفريغًا للمعرفة، بل دليل على أنها ما زالت في حالة حركة، وأنها لم تنفصل عن الفعل، بل أعيد إدخالها في الدورة الطبيعية للفهم والتجربة والتطور.
وفي هذا السياق، فإن تعدد الاهتمامات والأنشطة لا يُفهم كقيمة مطلقة أو كعبء، بل كعامل قد يساهم في تغذية دورة المعرفة أو إرباكها بحسب طريقة إدارته. فهو احتمال وليس قانونًا.

تاسعًا: ما الذي نبدأ منه الآن؟
بهذا التأسيس، ندخل إلى السلسلة الأولى:
متى تتحول المعرفة إلى عبء؟
على أن تبقى هذه السلسلة مفتوحة على ما يليها من مراجعة، ونقد، وتطوير، واختبار في الواقع، وفي النقاش، وفي التجربة.
فالمعرفة هنا ليست نهاية، بل بداية حركة.

📂 الأقسام

الرئيسية اقتصاد تقارير وتحليلات تكنولوجيا ثقافة حول خبر عاجل رياضة سياسة صحة صور وفيديو عربي ودولي فنون مقالات وآراء منوعات