بقلم/ عبدالغني المعبقي الحميدي
منذ انفجار مخازن السلاح في "الممدارة"، وأنا أضرب أخماسًا في أسداس، عاجزًا عن إيجاد منطق واحد يستوعب حجم التناقضات والمسرحيات الهزلية التي تُقذف في وجوهنا عقب كل حادثة مأساوية في هذا الوطن المكلوم.
الرواية الصفرية: شماعة "الماس الكهربائي"
كالعادة، ولأنها الذريعة الأسهل والمهرب الجاهز لمواراة أي تقصير أو مؤامرة، طالعتنا في الدقائق الأولى الرواية التقليدية المعتادة: "الانفجار ناتج عن ماس كهربائي!"
وهي رواية لم تعد تنطلي حتى على المجانين؛ فكيف لماس كهربائي عابر أن يفجر معسكرًا كاملًا بمخازن أسلحته، ويزلزل عدن بصفير ولهيب نيرانه، والكهرباء أصلًا لم تكن متوفرة؟ لكن يبدو أن هذه الشماعة أصبحت "المقبلات الرسمية" التي تسبق الوجبات السياسية الدسمة.
الرواية الأولى: بعث الموتى وصناعة الوهم
ما إن سقطت فرية الماس الكهربائي، حتى قفزت إلى السطح رواية مطبوخة من مطابخ "جماعة الإخوان في اليمن"، تزعم بكل ثقة أن وراء التفجير وإشعال الفتنة يقف علي عبدالله صالح!
وما إن بدأت أسترسل مع الرواية محاولًا تصديقها، حتى استيقظ عقلي فجأة، وتذكرت أن الرجل قد استشهد في ديسمبر 2017م على أيدي الحوثيين.
حينها فقط عاد إليّ صوابي، وأدركت أن هذه الجماعة لم تتغير؛ تفعل الفعلة أو تعجز عن التفسير، فتسارع إلى رمي التهمة على الأموات والأقدار، والمهم ألا تقع المسؤولية عليها.
ولأن حبل الكذب قصير، قفزوا سريعًا إلى الرواية التالية:
"طائرة مُسيّرة جاءت من مناطق الحوثيين ونفذت العملية من دون أن يراها أو يرصدها أحد!"
وهي رواية لا يمكن أن تستقر في عقل طفل؛ فكيف يعقل ذلك وعدن تكتظ بمختلف أصناف الألوية والوحدات العسكرية، من "درع الوطن" إلى "الأمن القومي"، ومن "العمالقة" إلى "الأمن العام" و"الحرس الرئاسي"؟ أكل هذه الترسانة نامت في لحظة واحدة حتى تمر مُسيّرة حوثية فوق رؤوسهم وتضرب في العمق؟
مُسيّرات الـ10 كيلومترات.. وحسابات المسافة
جلست أقلب الاحتمالات: من يملك طائرات مُسيّرة وورشًا لتجهيز المتفجرات غير الحوثيين؟
تذكرت معلومات موثقة لدي عن "أبوبكر الجبولي"، لكنني تراجعت؛ فالطائرات التي يمتلكها لا يتجاوز مداها خمسة إلى عشرة كيلومترات كحد أقصى.
ولو أُطلقت من "طور الباحة" فلن تصل إلى الممدارة في عدن أبدًا، ولو طرأ عليها أي تطور في التصنيع لكان أمرها مكشوفًا ومحسوبًا منذ لحظة انطلاقها.
وهنا تبرز شهادات أبناء المنطقة القريبين من موقع الحدث، الذين أكدوا أنهم سمعوا بوضوح أصوات صفير وتحليق مكثف لطيران مُسيّر بعد الانفجار، وهو ما يعني أن الإقلاع والتحليق كانا من مسافة قريبة جدًا.
حين يتحدث "الشيطان" بلسان الواقع!
لم تغمض عيناي ليلتها، حتى زارني وسواس هاجس في نفسي قائلًا:
"ماذا لو كانت المُسيّرات قد انطلقت من الممدارة نفسها، أو من موقع قريب جدًا من الحادثة؟"
قلت مستنكرًا: وكيف؟ ومن أين؟
قال: من حوش فيلا رجل مسؤول كبير، تسلق إلى هرم القيادة على سلّم حزبه العقائدي!
ولو افترضنا جدلًا أن الإطلاق تم من هناك، فإن المسافة والحسابات تبدوان منطقيتين إلى حد كبير.
بدأت رواية الشيطان تدخل عقلي شيئًا فشيئًا، خاصة أن هذا المسؤول الكبير "المتسلق" له بصمات سابقة واضحة في أعمال استهداف عدن ولحج بالسيارات المفخخة؛ فالسجل مليء بالشواهد.
حاولت طرد هذا الخاطر الشيطاني، وتجاوز الفكرة حين تذكرت أن تلك الأعمال كانت تُنفذ ضد "الانتقالي"، أما اليوم فقد تغير المشهد؛ وتحديدًا بعد أحداث حضرموت الأخيرة التي جرى فيها تحجيم الانتقالي وتفكيك كثير من أوراقه، تحت شعار "وحدة الصف" وتوجيه الجهود نحو صنعاء لقطع دابر السلالة الإيرانية الخبيثة.
لكن الشيطان اعترضني مجددًا قائلًا:
"والله إن روايتي هذه المرة أصدق من كل روايات الجماعة؛ ألم تجرب كذبهم من قبل؟"
من منصة الساحات إلى فيلات الممدارة: تاريخ من "الأساطير"
تذكرت حينها كيف كان إخوان اليمن يديرون العقول في "ساحة التغيير" عام 2011، وكيف كانوا يصنعون من الأحلام السياسية "قداسة دينية"، حين خرج خطباؤهم ومروجوهم يزعمون أن هناك من رأى عمر بن الخطاب يجول في الساحة شاهراً سيفه للإطاحة بالنظام!
وتذكرت الأسطورة الأكبر، حين ادّعى أحدهم أنه رأى الرسول صلى الله عليه وسلم في المنام، وأنه أخبره بأن عام 2025م سيكون موعد قيام دولة "الخلافة" على يد جماعتهم!
لقد استدعوا كل الرموز الدينية، ووظفوا حتى أحاديث النبي والصحابة في معركتهم السياسية، ليكتشف الشعب في النهاية أنها لم تكن سوى شعارات للوصول إلى السلطة والمناصب والفلل الفارهة.
فكيف أصدق رواياتهم اليوم، من "الماس الكهربائي" إلى "علي عبدالله صالح"، وهم الذين صبغوا الأوهام بالدين بالأمس؟
لغز الحيرة الحقيقية: من المستفيد؟
عادت الحيرة لتربك عقلي من جديد.
أعوذ بالله... إذا كان هذا المسؤول الكبير هو الوحيد الذي يملك مُسيّرات قصيرة المدى ومعامل لتجهيز المفخخات تحت يده، فما مصلحته اليوم في استهداف معسكر يتبع الجبهة والشرعية نفسها، بعد أن أصبح الجميع شركاء في "وحدة الصف"؟
هل نحن أمام تصفية حسابات سياسية داخلية تتجدد بأساليب قديمة؟
وإذا كان الأمر كذلك، فبإيعاز من مَن؟
ولصالح مَن؟
يا خبرة... أنا في حيرة من أمري، وأبحث عن إجابة تقود إلى الحقيقة العارية: من المستفيد من كل ما جرى؟
ومن الذي يكسب من خلط الأوراق وإغراق المشهد بمزيد من الفوضى والدم؟
أما الروايات الجاهزة والمعلبة التي تقذفها المطابخ الحزبية، والتي تزعم أن "الشرعية تستهدف نفسها" أو أن "التحالف يضرب حلفاءه"، فهي بالنسبة لي كلام واهٍ يحتاج إلى أدلة واضحة، لا إلى شعارات وتكهنات.
ويبقى السؤال مفتوحًا، يبحث عن عاقل يفك هذا اللغز:
من المستفيد الحقيقي من جريمة قصف معسكر الشرعية في الممدارة؟
---
📸 من هنا بدأت حكاية الـ10 كيلومترات؟!
صورة مرفقة متداولة ليلًا للفيلا التي دارت حولها الشبهات والأسئلة الحائرة.. هل انطلقت المُسيّرات من هذا الحوش القريب لتضرب عمق المعسكر في "الممدارة"، أم أن لغز المسافات والتناقضات سيبقى حبيس الغرف المغلقة؟
بين هواجس "الممدارة" ومُسيّرات الـ10 كيلومترات.. من يفك اللغز؟
2026-06-12
89 مشاهدة
مقالات وآراء