شعار صوت القضية
صوت القضية
صحفيون من أجل فلسطين
رواء عصمت.. الوجه الذي أضاء شاشةً ومدينة عدن

رواء عصمت.. الوجه الذي أضاء شاشةً ومدينة عدن

بقلم/ نجيب الكمالي

في المدن التي تتعب من كثرة الحكايات، لا تولد الأصوات عبثًا. كأن عدن، في لحظة صمت طويلة، قررت أن تهمس لنفسها: يكفينا ضجيج العالم، نريد صوتًا يشبهنا. ومن ذلك الهمس خرجت الزميلة رواء عصمت، لا كاسمٍ في نشرة، بل كاحتمالٍ لصوت مختلف.

يُقال إن بعض المدن تختار أبناءها، كما يختار البحر موجه بعناية خفية لا تُفسَّر. عدن فعلت ذلك، ووضعت في طريقها فتاة تحمل في عينيها مزيجًا من الحذر واليقين، كأنها تدرك أن أمامها شاشة ليست مجرد زجاج، بل نافذة على حياة كاملة.

حين اقتربت من تلفزيون عدن، لم تدخل كمن يبحث عن وظيفة، بل كمن يدخل تجربة لا يعرف نهايتها. الممرات كانت أطول من الخطوات، والأضواء أكثر حدة مما تتوقعه ذاكرة إنسان، لكنها وقفت… وفي الوقوف الأول يبدأ كل شيء.

في بداياتها، كانت التجربة أقرب إلى اختبار داخلي منها إلى ظهور علني: أصوات تتداخل، تعليمات تتسارع، وكاميرا لا ترحم التردد. هناك، في تلك اللحظات غير المرئية، تشكل داخلها وعي مبكر بأن الصوت، إذا خرج صادقًا، لا يعود كما كان.

ومع الوقت، لم تعد مجرد وجه جديد على الشاشة، بل تنقلت بين برامج مختلفة، كأنها تبحث عن نفسها في أكثر من مرآة: ثقافة، حوار، تفاصيل يومية، وأسئلة لا تريد إجابات جاهزة. وفي كل مرة كانت تقترب من فكرة واحدة: أن الإعلام ليس نقلًا لما يحدث، بل إعادة صياغته بلغة يفهمها الناس.

في "مضمار"، لم تكن تقدم برنامجًا فقط، بل كانت تفتح نافذة يومية على شيء يشبه الطمأنينة. يدخل صوتها البيوت كما يدخل الضوء عبر ستارة نصف مفتوحة؛ لا يفرض نفسه، لكنه لا يُنسى. هناك، لم تكن المذيعة هي المهم، بل الأثر الذي تتركه بعد انتهاء الجملة.

لكن المدينة لم تكن تكتفي بالشاشة؛ كان في داخل رواء امتداد آخر للصوت، فدخلت الإذاعة كأنها تبحث عن شكل أكثر خفة للكلمة. في الراديو، لم يعد هناك وجه، بل صوت فقط، وهنا ظهر الامتحان الحقيقي: هل يمكن للصوت وحده أن يحمل مدينة؟ وكانت الإجابة، بطريقة ما، نعم.

لم تكن القصة كلها مهنة، بل كانت أقرب إلى علاقة غير مرئية بين إنسان ومدينة. عدن لم تكن خلفية، بل طرف في الحكاية؛ تهمس لها فترد، تختبرها فتمتد فيها، وكأن كل ظهور لها على الشاشة كان جزءًا من حوار لا ينتهي.

وحين ظهرت ملامحها على غلاف مجلة، بدا الأمر كأن العالم الخارجي بدأ يلتقط ما كانت المدينة تعرفه مسبقًا: أن بعض الحضور لا يُكتشف، بل يُلاحظ متأخرًا.

وفي خلفية هذا المشهد، كان هناك من يقرأ التجربة بعمق مختلف، مثل الراحل عبدالقادر خضر، الذي رأى فيها موهبة تتحرك بثبات، لا تحتاج إلى صخب كي تثبت وجودها.

لكن ما لا تقوله الشاشات عادة، أن الحكايات لا تنتهي عند الضوء؛ هناك دائمًا ما يبقى بعد الإطفاء: أثر صغير، أو صوت عالق في الذاكرة، أو إحساس بأن مدينة ما كانت تتكلم من خلال شخص واحد.

رواء عصمت ليست مجرد مذيعة في أرشيف إعلامي؛ في هذه القصة، هي امتداد لمدينة تتكلم مع نفسها، وصوت صادق، حين يُقال، يتحول إلى ذاكرة، ثم إلى حكاية تمشي وحدها حتى بعد أن ينطفئ الضوء.